عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

42

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

غير ، فإن كون هذه الأشياء على غاية اعتدال صورتها الظاهرة كمال لها والكمال محبوب بالجبلّة لا ينكر ذلك ولا يدفع . [ الكمال الباطن ] فصل : وأما الكمال الباطن فمعناه اجتماع الصفات الفاضلة في الإنسان على اعتدالها وتطبّعه بها ، والصفات الفاضلة العقلية كثيرة ولكن أمّهاتها أربع وهي : الحكمة ، والعفّة ، والشجاعة ، والعدالة . فمن هذه الصفات تفرّعت سائر الفضائل المكمّلة لذات الإنسان ، ولا يكمل الإنسان إلا باجتماعها فيه كاملة ، ولا تكمل هي في نفسها إلّا باعتدالها ، واعتدالها بكونها تجري على قوانين الشرع المؤيّد لقضايا العقل ، إذ بالشرع تكمل محاسن الأخلاق كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق » « 1 » ، فالحكمة فضيلة القوة العقلية وكمالها بالعلم ، ويندرج تحتها حسن التدبير وثقافة الرأي وصواب الظنّ . ثم الشجاعة فضيلة القوة الغضبية وكمالها بالمجاهدة ، ويندرج تحتها كبر النفس والاحتمال والحلم والكرم والنجدة والوقار . ثم العفّة فضيلة القوة الشهوانية وكمالها الورع ، ويندرج تحتها الوقي والحياء والخجل والسماحة والصبر والسخاء والانبساط والقناعة . ثم العدالة عبارة عن وقوع هذه القوى على الترتيب الواجب وكمالها بالإنصاف ، ويندرج تحتها جميع الفضائل التي ينقام بها وجود العالم كله . وحاصل هذه الكمالات كلها يرجع إلى كمال العلم والقدرة أعني العلم بفضل هذه الأخلاق والقدرة على استعمالها . فالكامل إذا هو الذي يحيط علما بهذه الأخلاق ويستعملها . الفصل الثاني في الجمال وحقيقته ، وهو ينقسم على قسمين مطلق ومقيّد . أما المطلق فهو الذي يستحقّه الحقّ تعالى وينفرد به دون خلقه فلا يشاركه فيه مخلوق ، وهذا هو الجمال الإلهي جلّ عن تمثيل وتكييف وتشبيه أو وصف حقيقة ، عجز الأوّلون والآخرون عن إدراك كنه ذاته ، فلا يدركه غيره ولا يعلمه سواه ، وإنما حظّ الخلائق منه عجزهم عنه . ولهذا قال الصديق الأكبر : « سبحان

--> ( 1 ) رواه البيهقي في السنن الكبرى ، باب بيان مكارم الأخلاق . . ، حديث رقم ( 20571 ) ( 10 / 191 ) ، وأحمد في المسند عن أبي هريرة بلفظ صالح الأخلاق بدل مكارم الأخلاق ، حديث رقم ( 8939 ) ( 2 / 381 ) ، ورواه غيرهما .